ابن المقفع

125

آثار ابن المقفع

فوقع في نفس الأسد « 1 » كلام دمنة فقال : فما الذي ترى إذن وبما ذا تشير ؟ قال دمنة : إن الضرس المأكول « 2 » لا يزال صاحبه منه في ألم وأذى حتى يقلعه ، والطعام الذي قد عفن في البطن الراحة في قذفه ، والعدو المخيف دواؤه قتله . قال الأسد : لقد تركتني أكره مجاورة شتربة إياي ، وأنا مرسل إليه وذاكر له ما وقع في نفسي منه . ثم آمره باللحاق « 3 » حيث أحب . فكره دمنة ذلك وعلم أن الأسد متى كلم شتربة في ذلك وسمع منه جوابا عرف باطل ما أتى هو به واطلع على غدره وكذبه ولم يخف عليه أمره . فقال للأسد : أما إرسالك إلى شتربة فلا أراه لك رأيا ولا حزما ، فلينظر الملك في ذلك ، فإنه لا يزال لك في نفسك الخيار « 4 » ما دام لا يعلم أن أمره قد وصل إليك . فإنه متى علم ذلك خفت أن يعاجل الملك بالمكابرة ، وهو ، إن قاتلك ، قاتلك مستعدا ، وإن فارقك فارقك فراقا يليك « 5 » منه النقص ويلزمك منه العار . مع أن ذوي الرأي من الملوك لا يعلنون عقوبة من لم يعلن ذنبه ، ولكن لكل ذنب عندهم عقوبة ، فلذنب العلانية عقوبة العلانية ولذنب السر عقوبة السر . قال الأسد : ان الملك إذا عاقب أحدا عن ظنة « 6 » ظنها من غير تيقن لجرمه فنفسه عاقب ، وإياها ظلم ، وكان ناقص البصيرة . قال دمنة : أما إذا كان هذا رأي الملك فلا يدخلن عليك شتربة

--> ( 1 ) وقع في نفسه : اثر فيها . ( 2 ) المأكول : المنخور . ( 3 ) باللحاق : بالانصراف . ( 4 ) لك الخيار : أنت بخير . ( 5 ) يليك : يلحقك . ( 6 ) ظنة : ريبة ، تهمة .